العيني
40
عمدة القاري
منهم الليث بن سعيد والحسن بن حي وبعض الشافعية إلى كراهة التصوير مطلقا ، سواء كانت على الثياب أو على الفرش والبسط ونحوها ، واحتجوا بعموم قوله ، صلى الله عليه وسلم : ( لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب ) ، رواه أبو داود من حديث علي ، رضي الله تعالى عنه ، وقوله ، صلى الله عليه وسلم : ( لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة ) ، أخرجه مسلم من حديث ابن عباس عن أبي طلحة ، وأخرجه الطحاوي والطبراني نحوه من حديث أبي أيوب عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وأخرج الطحاوي أيضا من حديث أبي سلمة عن عائشة ، رضي الله تعالى عنها : ( أن جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، قال لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم : إنا لا ندخل بيتا فيه صورة ) . وأخرجه مسلم مطولاً . وأخرج الطحاوي أيضا من حديث عائشة ، قالت : دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مستترة بقرام ستر فيه صورة فهتكه ، ثم قال : ( إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله تعالى ) . وأخرجه مسلم بأتم منه . وأخرج الطحاوي أيضا من حديث أسامة بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة . وأخرجه الطبراني مطولاً . وأخرج الطحاوي أيضا من حديث أبي الزبير : قال : سألت جابرا عن الصور في البيت وعن الرجل يفعل ذلك ؟ فقال : زجر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك . وخالف الآخرون هؤلاء المذكورين ، وهم النخعي والثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية ، وقالوا : إذا كانت الصور على البسط والفرش التي توطأ بالأقدام فلا بأس بها ، وأما إذا كانت على الثياب والستائر ونحوهما ، فإنها تحرم ، وقال أبو عمر : ذكر ابن القاسم : قال : كان مالك يكره التماثيل في الأسرة والقباب ، وأما البسط والوسائد والثياب فلا بأس به . وكره أن يصلي إلى قبة فيها تماثيل . وقال الثوري : لا بأس بالصور في الوسائد لأنها توطأ ويجلس عليها ، وكان أبو حنيفة وأصحابه يكرهون التصاوير في البيوت بتمثال ، ولا يكرهون ذلك فيما يبسط ، ولم يختلفوا أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة ، وكذلك عندهم ما كان خرطا أو نقشا في البناء . وقال المزني عن الشافعي : وإن دعي رجل إلى عرس فرأى صورة ذات روح ، أو صورا ذات أرواح ، لم يدخل إن كانت منصوبة ، وإن كانت توطأ فلا بأس ، وإن كانت صورة الشجر . وقال قوم : إنما كره من ذلك ما له ظل وما لا ظل له فليس به بأس . وقال عياض : وأجمعوا على منع ما كان له ظل ، ووجوب تغييره إلاَّ ما ورد في اللعب بالبنات لصغار البنات ، والرخصة في ذلك ، وكره مالك شراء ذلك لابنته ، وادعى بعضهم أن إباحة اللعب للبنات منسوخ ، وقال القرطبي : واستثنى بعض أصحابنا من ذلك ما لا يبقى كصور الفخار والشمع وما شاكل ذلك ، وهو مطالب بدليل التخصيص ، وكانت الجاهلية تعمل أصناما من العجوة ، حتى إن بعضهم جاع فأكل صنمه . قلت : بنو باهلة كانوا يصنعون الأصنام من العجوة ، فوقع فيهم الغلاء فأكلوها وقالوا : بنو باهلة أكلوا آلهتهم . وحجة المخالفين لأهل المقالة الأولى حديث عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، قالت : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي نمط لي فيه صورة ، فوضعته على سهوتي ، فاجتذبه ، فقال : لا تستروا الجدار . قالت : فصنعته وسادتين . أخرجه الطحاوي وأخرجه مسلم بأتم منه ، والنمط بفتح النون والميم ، هو ضرب من البسط له خمل رقيق ويجمع على أنماط . والسهوة ، بالسين المهملة بيت صغير منحدر في الأرض قليلاً ، شبيه بالمخدع والخزانة . وقيل : هو كالصفة تكون بين يدي البيت ، وقيل : شبيه بالرف والطاق يوضع فيه الشيء ، والوسادة المخدة . وأجابوا عن الأحاديث التي مضت بأنا عملنا بها على عمومها ، وعملنا بحديث عائشة أيضا وبأمثاله التي رويت في هذا الباب فيما إذا كانت الصور مما كان يوطأ ويهان ، فإذن نحن عملنا بأحاديث الباب كلها بخلاف هؤلاء فإنهم عملوا ببعضها وأهملوا بعضها . وفيه : ما قاله القرطبي : يستفاد من قوله : ( وليس بنافخ ) جواز التكليف بما لا يقدر عليه ، قال : ولكن ليس مقصود الحديث التكليف ، وإنما المقصود منه تعذيب المكلف وإظهار عجزه عما تعاطاه مبالغة في توبيخه وإظهار قبح فعله . قال أبُو عَبْدِ الله سَمِعَ سَعيدُ بنُ أبِي عَرُوبَةَ مِنَ النِّضْرِ بنِ أنَسٍ هَذا الوَاحِدِ أبو عبد الله هو البخاري ، رحمه الله ، والنضر ، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة : هو النضر بن أنس بن مالك البخاري